مرحبا بكم في موقع أركانة بريس موقع اخباري إلكتروني مغربي .         حسن أوريد.. بين أوهام ” الثورة” ومطامع ” الثروة”             الشرعي يكتب: الهوية المتعددة..             مسؤول أردني: الأردن يتعرض لضغط سعودي إماراتي بسبب مواقف الملك بشأن القدس             الطلاق بالمغرب... أرقام مخيفة وانتشار العنوسة             فلسفة الجمال والقُبح             أي أنظمة اقتصادية أفضل الرأسمالية أو الاشتراكية             أخنوش يواجه البيجيديين بكمنجة الستاتي             كيف نشكّل حكوماتِنا وننتقي وزراءَنا ونطوّر دولتَنا؟             اللصوص يحومون حول حراك الجزائريين على رأسهم عصابة آل بوتفليقة ومعسكر قايد صالح وقوى إقليمية             حقائب الأورو تدفع الزفزافي الأكبر إلى تقديم ابنه قربانا للخونة             التاريخ كما ترويه الامكنة :حقائق عن قضية الصحراء المغربية            ريدوان يطلق أغنية عالمية             خطاب الملك محمد السادس التاريخي في افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان المغربي 2017            التيجيني يناقش مغربية الصحراء مع الدكتور العدناني - الجزء الأول            القناعة كنز لا يفنى            الدارجة؟؟            تعايش الأديان.            زوجات زوجات.           

  الرئيسية اتصل بنا
صوت وصورة

التاريخ كما ترويه الامكنة :حقائق عن قضية الصحراء المغربية


ريدوان يطلق أغنية عالمية


خطاب الملك محمد السادس التاريخي في افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان المغربي 2017


التيجيني يناقش مغربية الصحراء مع الدكتور العدناني - الجزء الأول


الشاب الذي أبهر المغاربة برسمه للملك محمد السادس بطريقة لا تصدق


الخطاب الملكي بمناسبةعيد العرش المجيد


جنازة مهيبة للأسطورة الظلمي


Le Maroc vu du ciel


المغرب الإفريقي


حقيقة ناصر الزفزافي و عمالته للمخابرات العدائية للمغرب

 
اخبار عامة

المقاطعة وديكتاتورية الأغلبية.. ماذا يقول علم النفس الاجتماعي؟


حكاية "حبنا" لهذا الوطن


هواري بومدين لم يقم بالثورة وكان مختبئا في المغرب وكان يكره المجاهدين + فيديو


مضاجعة العُهر لا تحتاج إلى وضوء بل إلى عازل طبي


بركات الجزائرية.. مغربية أيضا


الصحراء مغربية حتى لو بقيت الحدود مغلقة إلى يوم القيامة


"الربيع العربي" يزحف بمعاول التقسيم والتطرف والتمذهب


الجزائر لا وجود لها في تاريخ شمال إفريقيا


أضواء على الحقيقة.. في خطاب الديكتاتور بوتفليقة


"أنتم رجال أشرار"

 
أركان خاصة

حكام الجزائر للشعوب المغاربية : تعالوا للتفرقة وبعدها نفكر في الوحدة


سمير بنيس: الإعلام الدولي تواطأ مع البوليساريو في قضية "محجوبة"


دفع الصائل الارهابي: نحو تدويل النموذج المغربي-2-


دفع الصائل الارهابي: نحو تدويل النموذج المغربي-1-


معارك إمارة المؤمنين ابتدأت


البوليساريو، القاعدة، الجزائر.. ثلاثي يهدد الاستقرار بالمنطقة


بنيس يُشَرح نزاع الصحراء أمام أكاديميي جامعة برينستون الأمريكية


سمير بنيس: جبهة البوليساريو لم يكن لها أي وجود قبل إنشائها من قبل الجزائر وقذافي ليبيا في عام 1973


الملك والصحراء التي قد تضيع!


شيزوفرينيا الجزائر ضد المغرب

 
كتب و قراءات

كتاب"سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية" يفكك التطرف بمطرقة النقد الأخلاقي


قراءة في كتاب "الإسلام السياسي في الميزان: حالة المغرب"


السوسيولوجي والباحث محمد الشرقاوي: مفهوم “الشعب الصحراوي” أسطورة اسبانية


رغم رحيله.. الدكتور رشدي فكار يبقى من عمالقة الفكر المعاصر


الفيلسوف طه عبد الرحمن.. نقد للحداثة وتأسيس للأخلاقية الإسلامية


الطاهر بنجلون : الجزائر لها "عُقدة" مع المغرب و هَمُها هو محاربته .


انغلاق النص التشريعي خدعة سياسية وكذب على التاريخ


متى يتحرك المنتظم الدولي لوقف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان بتندوف ؟؟


الهوية العاطفية: حول مفهوم الحب كتجربة تعالٍ


طه عبد الرحمن .. من زلزال "روح الدين" إلى تسونامي "بؤس الدَّهرانيَّة"

 
ثقافات ...

الجزء 2..تفاصيل إحدى أكبر عمليات المخابرات في التاريخ التي قادها الرسول (ص)


الجزء الأول..لكل هذا كان الرسول (ص) رجل استخبارات بامتياز!


نحن والجزائر


في ذكرى رحيله..... أجمل 50 مقولة لـ"جلال الدين الرومي"


حتى لا يباع التاريخ المغربي بحفنة من حروف صخرية


حتى لا يتحول الفقه الأمازيغي الاركامي الى فقه حنبلي..


الجزائر وعقدة المغرب


بوحمارة في ورش الظهير البربري


معطيات واضحة تحكم على جبهة البوليساريو بالاندحار والزوال


الخبير الياباني ماتسوموتو :«الجمهورية الصحراوية» مجرد تنظيم اختارتوصيف نفسه بلقب «الجمهورية»

 
ترفيه

كيف وصلتنا "كذبة ابريل" او "سمكة ابريل"


الحاجة أم الإبداع


interdit aux moins de 18 ans


أنواع الأسلحة المنزلية:


أبغض الحلال...

 
ذاكرة

أقوال للحسن الثاني شغلت المغاربة طيلة 38 عاما


“رجع بخفي حنين”


المعلمة.

 
 


العلمانية والعبودية الحديثة سوق النخاسة بإسم الحرية الفردية


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 08 أبريل 2019 الساعة 33 : 08



استعمال مصطلحات الاقتصاد السياسي إنه الزمان الذي تحول فيه كل شيء معنوي أومادي، إلى قيمة ارتشائية، وأصبح بالتالي سلعة من سلع السوق... »
كارل ماركس، بؤس الفلسفة.

كثيرا ما تتكتم حولها الهيئات والمؤسسات والحكومات. ويستند الكاتب في طرحه لهذا الموضوع الشائك، على معطيات الدراسات الميدانية والإحصائية التي أجراها باحثون مستقلون أو تابعون لمنظمة الأمم المتحدة. إنه مقال قوي وجريء يثير المسكوت عنه ويعري الجانب الخفي والمأساوي للعولمة واقتصاد الليبرالية المتوحشة التي تحول كل شيء –حتى الإنسان إلى قيمة نقدية واستهلاكية. ويتدرج المقال وفق مستويين متراتبين: يتناول المستوى الأول قضية تطور الأسواق الجنسية العالمية. وينصب المستوى الثاني على كشف الآليات التي تتحكم في إنتاج هذه البضاعة الخاصة، أي الكائنات الإنسانية المطالبة –طوعا أو غصبا بالتخلي عن جسدها وبيعه للآخرين، تحت طائلة العنف وقيم السوق والجريمة المنظمة.

لقد أدت العولمة الرأسمالية والسياسات النيوليبرالية، إلى التكاثر الكاسح لأسواق الدعارة الجنسية. والواقع أن هذه الأسواق تخضع على نطاق واسع جدا لعصابات الجريمة المنظمة. والسبب في ذلك لا يعود دوما إلى كون الدعارة منافية للقانون أو تقع تحت طائلة المنع. إذ سواء في تلك الدول التي لا تعتبر فيها ممارسة الدعارة منافية للقانون  (تونس، ألمانيا، هولندا )، أو في الدول التي تكون فيها بيوت البغاء في ملكية الدولة  (تركيا، أندونيسيا )، أو في الدول التي تعترف بالدعارة كصناعة حيوية بالنسبة للاقتصاد الوطني  (تايلاند، الفيليبين )، يظل دور عصابات الجريمة المنظمة جوهريا في تنظيم أسواق الدعارة. وذلك لأن العنف عامل حاسم في إنتاج «البضائع الجنسية». إن هذا الواقع القاتم، هو ما سيسعى هذا المقال إلى إبرازه من خلال التوقف –في المقام الأول عند تحليل حالة تطور الأسواق الجنسية، ثم التعرض –في المقام الثاني للحديث عن قضية إنتاج هذه البضاعة الخاصة، التي تتكون من الكائن الإنساني المطالب بالتنازل عن جسده.

نخاسة الكائنات الإنسانية، الجريمة المنظمة والسوق.

من المستحيل الخوض في قضية نخاسة النساء والأطفال التي تعتبر أحد العوامل الرئيسية المحركة لنظام الدعارة العالمية الراهنة في مجال البغاء دون تحليل الاقتصاد والنظام المالي المافيوزي. فالتكاثر المهول في عدد وأنواع المنظمات والمسارب الإجرامية في العالم بأسره، يعتبر مثيرا حقا للدهشة:وفق "سابين دوش"  (2002 )، يصل عدد الشبكات العالمية الأكثر كفاءة  (أي القادرة على تدبير مجموع عمليات الدعارة من البداية إلى النهاية )، نحو خمسين شبكة حول العالم. وحسب برنامج الأمم المتحدة للتنمية، فإن الناتج الإجرامي العالمي الخام يصل إلى 1200 مليار دولار في السنة، ويمثل 15% من حجم التجارة العالمية. وتؤكد كل الدراسات أن الجريمة المنظمة بدأت تلعب دورا رئيسيا في الاقتصاد العالمي منذ أن تم تحرير الأسواق ورأسملتها. لقد أدرجت العولمة في الأسواق، نموا وتعددا لأشكال الإجرام التي تستغل التفتت الاجتماعي والاقتصادي للمناطق برمتها.

لقد أبدت العولمة ميلا إلى تذويب الحدود الفاصلة بين الجريمة الاقتصادية والجريمة المنظمة:كل شيء في الاقتصاد المالي والمضارباتي يساهم اليوم في الدفع بالمجرمين الاقتصاديين إلى التخلي عن الأنشطة الفردية التي كانوا يتعاطون لها كيفما اتفق، والانخراط في المقابل في الصفقات المنظمة والدائمة. إن التجارة المتزايدة وتحرير الأسواق، لا تسهل الصفقات القانونية فحسب، بل تسهل الصفقات غير القانونية أيضا، لدرجة دفعت البعض إلى التساؤل حول ما إذا لم يكن الإجرام الاقتصادي قد أصبح « مكونا جوهريا في النظام الرأسمالي لعالمنا».

كثيرون هم الذين يؤكدون أنه فيما يتعلق بنخاسة الكائنات الإنسانية لصالح نظام الدعارة، ينبغي تحليل القضية من زاوية مصطلحات السوق ومفاهيمه. فإذا كان البعض يرى أن نشاط المتاجرة العالمية في النساء والأطفال من أجل غايات جنسية، يشبه من حيث جوهره كل الأنماط الأخرى من التجارة غير الشرعية، فإن البعض الآخر يرى أن منطق السوق – سواء كان قانونيا أو لا هو الذي يفسر حيوية هذا « القطاع » الاقتصادي المتمثل في الدعارة. وفي كل الأحوال، يظل سوق الدعارة هذا، خاضعا في مجمله، إن لم يكن في كليته، لنفوذ العصابات المنظمة. إن خطط التقويم الهيكلي وإعادة النظر في آليات الحماية الاجتماعية والخدمات العمومية في مجال التعليم والصحة، أدت إلى الرفع من كثافة ضغط الهجرة. وقد استفادت الكثير من الجماعات بما فيها المنظمات الإجرامية، من السيرورات الاجتماعية التي تلاحقت بفعل تزايد التفاوتات الاجتماعية ومظاهر الفقر. والنتيجة هي أن المنظمات الإجرامية أصبحت تهيمن على نخاسة البشر لصالح نظام الدعارة الذي يقع تحت مراقبتها. ويمكن القول إن عولمة الدعارة لم يكن بإمكانها أن تتحقق إلا عبر عولمة نظام القِوادَة.

وعلى هذا الأساس، فإن هذه السوق مشروطة بلعبة العرض والطلب. ومن هذا المنطلق، أثار وزير العدل الهولندي، في سنة 2000، ضرورة تخصيص حصة قانونية لـ « ممتهنات الجنس» الأجنبيات، ما دام أن سوق الدعارة « يتطلب» تنوعا في « الأجساد المعروضة للبيع». وبالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن العرض والطلب هما المنظمان لأسواق هجرة البشر، فإن ما يمثل مشكلة بالنسبة للنساء المتورطات في هذا النوع من النخاسة، «ليس هو العمل أو الخدمات في حد ذاتها  (الدعارة، الزواج أو العمل داخل البيوت )، بل المشكلة تتمثل في الطريقة الخاصة التي تتحكم في تنظيم هذا النوع من الخدمات  (سواء على مستوى التشغيل أو على مستوى ظروف العمل ): إنها طريقة التعاقد تحت طائلة الإكراه». وبالنسبة لأصحاب هذا الرأي، فإن المشكل يتمثل إذن في ظروف هذا النوع من التجارة، وليس في الاتجار  (القسري ) بالنساء والأطفال1. ومعنى هذا أن التمييز بين «المتطوع » و«المجبر»، هو أساس هذه الإشكالية في رأيهم:فالدعارة لا تعتبر في حد ذاتها نوعا من العنف ضد النساء، بل هي بمثابة مهنة موصومة بالعار وتحتاج بالتالي إلى إعادة رد الاعتبار. أما المرأة التي تمارس الدعارة، فهي في رأيهم «ممتهنة جنس». والواقع أن هذا الموقف الليبرالي المتفسخ، يحظى بدعم المنظمات العالمية والأوربية.

لكن منطق السوق لا يختزل فقط في قانون العرض والطلب، لأن هذا «القانون» المرتبط بالاقتصاد الليبرالي لا يمكن أن يفسر كل شيء حول كيفية عمل المجتمعات الحالية2. فالسوق هو مجال تبادل البضائع، وكل بضاعة – سواء كانت منفعة أو خدمة هي بضاعة مُنْتَـجَة. إن هذا المظهر يعتبر جوهريا في فهم الدينامية الحالية للسلعنة البغائية على المستوى العالمي. ورغم ذلك فقليلون هم المحللون الذين يؤمنون بجدوى استخلاص نتائج اجتماعية واقتصادية من قضية التأكيد على أن الاتجار في النساء والأطفال لغايات جنسية، هي قضية خاضعة لمنطق السوق. القليل منهم فكروا فعلا في السؤال التالي:كيف يتحول ما لا ليس بضاعة في الأصل، إلى بضاعة؟.

سلعنة الكائنات الإنسانية

إن تحويل النشاط الإنساني إلى سلعة، يعتبر أحد خصائص نمط الإنتاج الرأسمالي. فالبضاعة –التي تعتبر في نفس الوقت منتوجا ووسيلة لاكتساب المال تخضع في النظام الرأسمالي إلى سيرورة صناعية، أي إلى سيرورة إنتاج لا «حدود» له  (وفق تعبير ريكاردو ). في العولمة النيو ليبرالية الحالية، لا شيء يبدو قادرا على الإفلات من سيرورة السلعنة ومن منطق «تحويل العلاقات الاجتماعية إلى قيمة نقدية». وتتمثل إحدى تأثيرات تحول كل شيء إلى قيمة نقدية، في قيام السوق على أساس «إلغاء الإخصاء» الاجتماعي، وفق تعبير عالم الاجتماع كارل بولانيي. ومعنى هذا أن تعميق منطق السلعنة، يؤدي إلى التدمير المنظم للعلاقات الاجتماعية السابقة، وذلك لصالح علاقات جديدة تضفي المشروعية على الملكية الخاصة التي تمثل في العمق جوهرها. إن سيرورة السلعنة هذه تتم مقابل ثمن متمثل في حدوث ضغط وعنف كبيرين، ومتمثل بالإضافة إلى ذلك في المسخ الذي يتحول ضمنه الإنسان إلى بضاعة. فالتملك الخصوصي للأجساد، وتحويلها إلى بضائع3 ثم استهلاكها، بكل الصيغ والأشكال، كل ذلك يتطلب استعمال العنف. ومعنى هذا أن الإكراه يعتبر عاملا تكوينيا متدخلا بقوة في سلعنة الكائنات الإنسانية وأجسادها، وغالبا ما يمارس هذا الإكراه من طرف المنظمات المافيوزية.

يوجد اليوم تصاعد قوي للدعارة في كل مكان من العالم. وتقدر "سابين دوتش" أن ممارسة الدعارة تدر رقم معاملات عالمي بقيمة 60 مليار يورو. وفي سنة 1998 قدرت الأمم المتحدة أن أربعة ملايين من الأشخاص سنويا، يتحولون إلى موضوع متاجرة، وهو ما يدر ما بين خمسة وسبعة ملايير دولار أمريكي لصالح الجماعات الإجرامية. وتؤكد الأمم المتحدة أن عدد النساء اللاتي يمثلن ضحايا النخاسة الجنسية، يتجاوز بكثير عدد النساء اللاتي يخضعن للاتجار لغايات استغلالهن في أعمال البيوت أو اليد العاملة الرخيصة.

الملايين من النساء والأطفال يتحولون إلى موضوع للتداول في السوق العالمية للدعارة والخلاعة، ويصبحون بالتالي بضائع في أيدي نظام الوساطات البغائية. ووفقا للأمم المتحدة، فإن نخاسة النساء والأطفال لغايات «الاستغلال الجنسي » –في السنوات الثلاثين الأخيرة، وفي آسيا وحدها أوقعت ثلاثين مليون ضحية في شباكها. إن الأسواق الجنسية، التي تعتبر شرعية وغير شرعية في نفس الوقت  (هذان المظهران مترابطان بقوة ويتغذى أحدهما من الآخر )، تصدر عن منطق صناعي، منطق الإنتاج بالجملة. وهو ما يحتم تحليل هذه القضية في ضوء مقتضيات تتعالى عن المظهر التجاري الصرف للمسألة. إن الدقة تتطلب القول إن هذه الصناعة المرتبطة بالتجارة الجنسية، لا تقتصر على تزويد السوق بالنساء والأطفال فحسب، بل تقوم بموازاة مع ذلك، بـ«إنتاج» هذه البضائع.

إن هؤلاء النساء والأطفال، من حيث كونهم بضائع، يمثلن –في رأي مالكيهم فائدة مزدوجة:هذه الكائنات تمثل قيمة مالية وقيمة خدماتية في نفس الوقت. ولكي نعبر عن ذلك بدقة أكبر، نقول إن إحدى السمات الحالية للعولمة، لا تتمثل في سلعنة الجسد من حيث هو جنس فقط، بل تتمثل أيضا في سلعنة النساء والأطفال أنفسهم. إننا إذن أمام سلعنة مضاعفة.

وهذه البضائع تباع في الأسواق المحلية، ثم الأسواق الإقليمية والدولية، وتتبع في ذلك نوعا من سلسلة التوزيع التي تنطلق –بشكل عام من مناطق ذات تمركز ضعيف لرؤوس الأموال، نحو مناطق ذات تمركز قوي للأموال. وهكذا هناك تقديرات تقول إنه منذ بداية التسعينيات، خضعت 200.000 امرأة وشابة من بنغلاديش للترحيل إلى باكستان من أجل ممارسة الدعارة. بينما يعتبر ما بين 20.000 و 30.000 من المومسات في التايلاند، من أصول قادمة من "ماينمار". وتقدر إحدى الدراسات التي نشرتها المنظمة الدولية للشغل، أن أكثر من 150.000 من المومسات في اليابان، هن من أصول غير يابانية. فخمسون في المائة منهن آتيات من الفيليبين، و 40% منهن قادمات من التايلاند. وفي كل سنة، ينتقل ما بين 5.000و7.000 من النساء الشابات من النيبال إلى الهند من أجل ممارسة الدعارة، وذلك عبر قنوات الاتجار في النساء. و هناك 20.000 من المومسات النيباليات، اللاتي يقل عمر أغلبهن عن ثماني عشرة سنة، تمارسن البغاء في الشوارع الهندية. أما في أوريا الغربية، فأكثر من %70 من المومسات هن أجنبيات. وفي بعض الدول، مثل اليونان والنمسا، تصل هذه النسبة إلى%90 بينما تبلغ في بلجيكا 80%.

إن عمليات البيع والشراء المتتابعة للنساء والأطفال، تمثل عملا «عديم الرحمة»: « [...] مهربون رومانيون [...] يبيعون في المزاد نساء أوكرانيات وبلغاريات وروسيات»، فيشتريهن مهربون صربيون ويمارسون عليهن التعذيب والاغتصاب، قبل أن ينقلوهن إلى ألبانيا، حيث يتم تسليمهن إلى أحد أقسى شبكات المافيا. وقد أشارت التحقيقات الأخيرة التي انصبت على موضوع تهريب النساء والأطفال من دول الشرق ومن أمريكا اللاتينية أو آسيا، إلى وجود وضعيات غير إنسانية، حيث تتعرض كائنات إنسانية إلى الاختطاف والاستعباد، لدرجة أن بعضهم يتعرض للتصفية من أجل أن يكون عبرة للآخرين الذين سيتم بيعهم لشبكات الدعارة المختلفة.

والحقيقة أن الدعارة ليست مجرد تجارة، بل هي صناعة. فمنذ السنوات الثلاثين الأخيرة، كان أكبر التحولات مأساوية في التجارة الجنسية، هو بالضبط تحويلها إلى صناعة وتعميهما ونشرها بالجملة على الصعيد العالمي. وهذه الصناعة تتطلب فاعلين قادرين على تنظيمها:إنهم وسطاء الدعارة المنظمين ضمن شبكات إجرامية منتشرة على مدار الكرة الأرضية. فهؤلاء الوسطاء يباشرون عمليات الاستقطاب والنقل والبيع. وهو ما يتطلب وجود تواطؤات في كل مكان، ووسائل هائلة وأرباح خيالية. إن السلاسل الفندقية العالمية وشركات الطيران والصناعة السياحية، تستفيد بشكل واسع جدا من الصناعة البغائية ومن نظام الوساطة الجنسية المرتبط بها. بل حتى الحكومات نفسها تستفيد من ذلك:في سنة 1998، قدرت المنظمة الدولية للعمل أن الدعارة تمثل ما بين 2% و 14% من الناتج الداخلي الخام للتايلاند وأندونيسيا وماليزيا والفيليبين. والصناعة الجنسية تمثل 5% من الاقتصاد الهولندي. وفي سنة 1995، قدرت مداخيل الدعارة في التايلاند بما يعادل 59% إلى 60% من ميزانية الحكومة. ولهذا السبب قامت الحكومة التايلاندية، في سنة 1987، بالترويج للسياحة الجنسية باستعمال هذه الكلمات: « الفاكهة التايلاندية الوحيدة الأكثر لذة من فاكهة الدوريان [نوع من الفاكهة المحلية]، هي نساء التايلاند».

إن تحويل التجارة الجنسية إلى صناعة، وعولمة نظام الوساطة الجنسية، يمثلان العاملين الجوهريين الذين يجعلان الدعارة المعاصرة مختلفة كيفيا عن الدعارة المرتبطة بالعصور السابقة. فالمستهلكون بإمكانهم اليوم الحصول – عبر العالمعلى أجساد «إكزوتيكية» exotique وشابة بل وصغيرة السن جدا. والأكثر من ذلك أن بإمكانهم الحصول على هذه الأجساد دون أن يكونوا مضطرين لمغادرة بلدانهم. إن الصناعة البغائية متعددة الأشكال والألوان، متطورة ومتخصصة:ففي إمكانها أن تستجيب لكل أنواع الطلبات. والواقع أن «دمقرطة» السياحة وتحويلها إلى نشاط جماهيري، ساهما كيفيا في تغيير معطيات هذه القضية. كما أن التكنولوجيات الجديدة:الأنترنت والتيلفون «الوردي». . إلخ ، تساهم أيضا بفعالية في انتشار نخاسة النساء والأطفال لغايات جنسية.

صناعة عالمية في طور الازدهار

خلال العقود الثلاثة الأخيرة، شهدت دول النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، تزايدا خارقا للدعارة. ومنذ ما يزيد قليلا عن العقد من الزمن، ظهر هذا التزايد أيضا في دول الاتحاد السوفياتي السابق وأوربا الشرقية والوسطى. أما في هولندا، فمنذ أن أصبحت ممارسة الدعارة –في سنة 2002 صناعة معترف بها قانونيا، شهدت نموا يصل إلى 25%. والواقع أن تحويل التجارة الجنسية إلى صناعة، ينطوي على تطوير إنتاج بالجملة للممتلكات والخدمات الجنسية التي تؤدي إلى تقسيم إقليمي ودولي للعمل. فهذه الصناعة التي تنتشر في سوق معولمة، يدخل تحت مظلتها المستوى المحلي والمستوى الإقليمي في نفس الوقت. وهناك الملايين من النساء والمراهقين والأطفال الذين يعيشون اليوم في المناطق «الساخنة» من عواصم بلدانهم أو عواصم البلدان المجاورة. ويقدر عدد النساء اللاتي تمارسن الدعارة في التايلاند، حوالي مليونين، نصفهن كان ضحية للتهريب بتواطؤ مع الأقاليم الجنوبية للصين واللاووس والفييتنام وميانمار. وهناك ما بين 40.000 و 50.000 من النساء اللاتي تمارسن الدعارة في الفيليبين، و65.000 في أندونيسيا، وعشرة ملايين في النهد، و142.000 في ماليزيا، و70.000 في الفييتنام، ومليون في الولايات المتحدة، وما بين 50.000 و70.000 في إيطاليا، و30.000 في هولندا، و20.000 في ألمانيا. وقد قدر "أكيرمان" و"فيلتر" في بداية التسعينيات، أن النساء اللاتي يمارسن الدعارة في ألمانيا، يبعن «خدمات جنسية» لمليون ونصف من الزبناء يوميا.

أما صناعة الدعارة المرتبطة بالأطفال، فإنها تستغل 400.000 طفل في الهند، و100.000 طفل في الفيليبين، وما بين200.000 و300.000 في التايلاند، و100.000 في الطايوان، وما بين 244.000 و325.000 طفل في الولايات المتحدة. أما في الصين الشعبية، فيقدر عدد الأطفال الذين يمارسون الدعارة ما بين 200.000 و500.000. وما يقرب من 35% من أطفال الدعارة في الكامبودج، تقل أعمارهم عن سبع عشرة سنة. وتقدر بعض الدراسات أن الطفل الذي يمارس الدعارة، يبيع خدماته لـ 2000 رجل، خلال سنة واحدة. وهناك تقرير للمجلس الأوربي، يقدر أن 100.000 طفل من أوربا الشرقية، يمارسون الدعارة في أوربا الغربية.

وبموازاة مع ازدهار الدعارة المحلية المرتبطة بالهجرة من القرية نحو المدن، هناك مئات الألوف من النساء الشابات والأطفال الذين ينقلون إلى المراكز الحضرية في اليابان وأوربا الغربية وأمريكا الشمالية من أجل «تقديم خدمات جنسية» لعدد كبير من الزبناء الذكور. والواقع أن هذا النوع من عمليات الهجرة من القرية إلى المراكز القريبة أو البعيدة، لا يبدو أنه يتراجع أو يقل. بل على العكس من ذلك، كل المؤشرات تدل على تزايده. ونموذج هولندا يمثل مؤشرا واضحا على التطور المتزايد للصناعة الجنسية: 2.500 مومس سنة 1981، و10.000 سنة 1985، و20.000 سنة 1989، و300.00 سنة 1997. لقد أصبحت هولندا مكانا مفضلا للسياحة الجنسية العالمية. ففي العاصمة أمستردام، التي يوجد بها 250 وكراللدعارة، %80من المومسات تنتمين لأصول أجنبية، و%70 منهن لا يتوفرن على الأوراق الرسمية للإقامة. مما يدل بدون شك على أنهن كن ضحايا عملية تهريب. وعلى هؤلاء المومسات أن يكترين المقصورات التي يعرضن فيها أنفسهن، والتي تكلفهن حوالي 90 دولارا يوميا. ويتلقين ما بين 10 و24 زبونا مما يتطلب منهن العمل لمدة زمنية تتراوح بين 12 ساعة و17 ساعة يوميا. وفي سنة 1960، كانت نسبة %95 من المومسات في هولندا، من جنسية هولندية، أما في سنة 1999، فلم تتجاوز نسبتهن 25%. وحين نتحدث عن المومسات الأجنبيات، فإن الأمر له علاقة بنخاسة الكائنات الإنسانية. وهو ما يعني بكل وضوح أن هذه النخاسة هي نخاسة منظمة. إن منظمة وسطاء الدعارة، هي أكبر من يوفر الخدمات لنوادي الجنس وأوكار الدعارة التي يبلغ عددها 700 في هولندا، التي أصبحت فيها الدعارة قانونية منذ 1 أكتوبر 2.000. والواقع أن هذه المصادقة القانونية على الدعارة، كان من المفروض أن تستفيد منها المومسات في المقام الأول، لكن ذلك لم ينجح ما دام أن 4% منهن فقط، هن اللاتي تقدمن إلى السلطات من أجل تسجيل أسمائهن. أما الذين كانوا يروجون للاعتراف القانونيبالدعارة في أوستراليا، فقد كانوا يعتقدون أن من شأن ذلك أن يحل المشاكل ويتيح مراقبة الجريمة المنظمة المرتبطة بصناعة التجارة الجنسية، ومراقبة التطور اللامتوازن لهذه الصناعة وللعنف الذي يمارس في حق المومسات اللاتي يمارسن عملهن في الشارع. إلا أن هذا الاعتراف القانوني بالدعارة، لم يأت بحل لأي من هذه المشاكل، بل الأكثر من ذلك أدى إلى ظهور مشاكل جديدة. ومن بين هذه المشاكل، عرفت دعارة الأطفال في المناطق التابعة لحكومة أوستراليا، نموا مأساويا بالمقارنة مع المناطق التابعة للحكومات التي لا تعترف قانونيا بالدعارة. فعدد أوكار الدعارة لم يتضاعف ثلاث مرات فقط، بل إن كل وكر من هذه الأوكار عرف تطورا أكثر من السابق. والأكثر من ذلك أن عدد الأوكار غير القانونية، تجاوز بكثيرعدد الأوكار القانونية. وقد أدى ذلك بالتالي إلى التزايد الملموس لنخاسة النساء والأطفال القادمين من البلدان الأخرى.

إن نخاسة النساء والأطفال لغايات جنسية في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، تقدر بـ40.000 شخص في السنة. وتأتي الدول المستقلة التي كانت تنتمي للاتحاد السوفياتي سابقا، ودول أوربا الشرقية والوسطى، في المرتبة الثانية من حيث الأهمية  (175.000 شخص في السنة ). ثم تأتي أمريكا اللاتينية وجزر الكاراييب  (حوالي 100.000 شخص في السنة ) وإفريقيا  (50.000 شخص ). وتقدر المنظمة العالمية للهجرة أن 120.000 من النساء والأطفال يخضعون للتهريب لغايات الدعارة، باتجاه الاتحاد الأوربي، وخاصة عبر دول البلقان.

والواقع أن هذه الصورة ستظل غير كاملة إن نحن لم ندخل في اعتبارنا صناعة الأفلام الخليعة، وذلك لأن مسارب الخلاعة تتداخل في أغلب الأحيان مع مسارب الدعار . ووفق "سابين دوتش"، يصل رقم المعاملات العالمي لأفلام الخلاعة إلى حوالي 52 مليار يورو.

تشكيل البضائع
« إن البضائع لا يمكنها أبدا أن تذهب من تلقاء نفسها إلى السوق ولا أن تتبادل فيما بينها. لذلك ينبغي إذن أن نوجه أنظارنا نحو القيمين على هذه البضائع والمروجين لها، أي توجين أنظارنا نحو مالكيها. فالبضائع ليست سوى أشياء، وبالتالي فهي لا تواجه الإنسان بأي مقاومة. وفي حالة وجود نقص في البضائع، يلجأ الإنسان إلى استعمال العنف من أجل تملكها ».

« حين تتحقق سلطة الوسيط في مجال الدعارة، فإنها تقوم على العنف، وأحيانا على الترهيب». ويوجد في البلقان، «معسكرات إذلال» حقيقية، تتعرض فيها نساء شابات للاغتصاب والترويض. وفي البرازيل، يتم الاحتفاظ بالفتيات الصغيرات «معتقلات في ما يشبه السجن» وذلك في المراقص الليلية الموجودة في أماكن بعيدة يصعب الوصول إليها.

وتوجد أماكن اعتقال خاصة بالفتيات والنساء المومسات. ووفق منظمة  ( التحالف ضد تهريب النساء )، تجري داخل التايلاند نخاسة الفتيات الصغيرات اللاتي تبلغ أعمارهن ما بين ثلاث عشرة وست عشرة سنة، واللاتي تأتين من شمال البلاد. وتقود هذه النخاسة إلى سجنهن داخل بيوت مغلقة في ظروف شبيهة بظروف السجن. وتوجد أيضا أماكن تباع فيها المومس يوميا بثمن بخس لعدد كبير من الرجال، وذلك بهدف تصفيتها وتدميرها نهائيا والقضاء عليها نفسيا.

والواقع أن مقصورات الدعارة في هولندا وبلجيكا، أو غرف اللذة الجنسية في ألمانيا، تشبه بدورها الأقفاص. ويمكن القول إن مراكز اللذة الجنسية، لم تعد مجرد بيوت مغلقة، بل أصبحت أسواقا ممتازة للجنس. فالمومس تقوم بكراء غرفة داخل هذه المراكز، بثمن باهظ يغطي مستحقات الضرائب أيضا، وذلك من أجل ممارسة الدعارة. لكنها تظل رغم ذلك تابعة للوسيط الذي يوفر لها الحماية. وهكذا أصبح المال العفن، نوعا من الاستثمار، وأصبحت أوكار الدعارة مؤسسات رسمية لها قواعد اشتغالها  (السيطرة على الفتيات ومراقبة صحتهن ). وأصبحت الدعارة تحظى بالاعتراف من حيث كونها مهنة. وبالإمكان اليوم إعادة توظيف الأرباح وتبييض الأموال العفنة دون أن يضطر وسطاء البغاء إلى التخلي عن الاشتغال في صناعة الدعارة. فهذه «المهنة» أصبحت معترفا بها وأعيد إليها الاعتبار. أما الزبناء فهم غير معنيين بالاطلاع على الوجه العفن الثاوي خلف فخامة الديكور. فهم يؤدون مقابل «لذتهم». وإذا كانوا يتخيلون في الواجهات الخادعة، مظاهر الثراء والفخامة، فإن كواليس هذه السوق الممتاز للجنس، تبين أنها تمثل معملا وسجنا في نفس الوقت:

« لأنها قدمت من فرنسا تحمل صك عبوديتها، وُضِعَت "بريجيت" في زنزانة في الطابق الأول [...]. وفي هذا الطابق، توجد نائبة صاحب الفندق و"المسؤولون عن الرقابة والضبط"، الذين يرتبطون بعلاقة مباشرة مع العصابة المالكة للمومسات الموجودات في هذا الفندق. وهؤلاء السجانون يقومون بدوريات كل عشر دقائق من أجل التأكد من أن الزبون هو فعلا زبون حقيقي. إن مهمة هؤلاء السجانين، من الناحية الرسمية، هي طرد الزبناء غير المرغوب فيهم، والسكارى والمعتوهين. أما في الواقع فمهمتهم، هي بالأحرى منع كل محاولة هروب [...]. وكل ساعة من غير زبون، تؤدي بالمومس إلى التعرض لوابل من الضرب [....]، وحين تحصل على زبون، يمر المراقب أو نائبة صاحب الفندق لأخذ المال ».

إن بيت البغاء قد يسمى "مركز اللذة " Eros center أو مقاولة أو شركة، إلا أنه يظل وكر بغاء رغم مظهره العصري المثير للشفقة. ويظل وسيط الدعارة وسيط بغاء رغم كل ما يمكن أن يضفيَ على نفسه من ألقاب وأسماء. وهو يحصل على حصة تتراوح ما بين %75 و90% من المال الذي تجنيه «محظياته». وفي فرنسا يقدر أن المومس تجلب ما بين 460 و762 يورو يوميا لصالح مالكها. أما الشبكة التي تشغل عشرات من النساء، فقد تجني ما يراوح 9.100 يورو يوميا. وحسب "الأنتِربول"، تجلب المومس خلال سنة من العمل، ما يقارب 110.000 يورو من الأرباح لمالكها المقيم في أوربا. وفي سنة 2.000، كانت المومسات الروسيات، تجنين ما يقارب 8.000 يورو شهريا، يقتطع منها ما يناهز 7.500 لصالح القيمين على بيت الدعارة. والواقع أن هؤلاء المومسات، اللاتي يمارسن العمل في مثل هذه البيوت المغلقة، نادرا ما يحتــفظن بالمال الذي يجنينه. وحين يحصلن عليه، لا تتاح لهن فرصة استعماله في الخارج لأنهن نادرا ما يخرجن، لذلك يصرفنه داخل بيت الدعارة إما لشراء ما يحتجن إليه لكن بأثمنة خيالية أو لأداء الغرامات المختلفة. وفي أحد المنازل المغلقة القانونية التي توجد في "نيفادا" في الولايات المتحدة، تحكي إحدى المومسات القديمات، قائلة: «لقد التحقت للمرة الأولى بأوكار الدعارة في "نيفادا" على يد وسيط دعارة. لا يمكن أن تعمل المومس في بيت بغاء قانوني دون وسيط دعارة». لذلك فإن المصادقة القانونية على بيوت الدعارة في "نيفادا"، لا يبدو أنه غير طبيعة العلاقة بين الوسيط والمومسات. وهذه البيوت القانونية، هي أشبه ما تكون بالمعتقلات، وتحكي إحدى المومسات قائلة:«لقد كان أصحاب الماخور يراقبون كل نواحي حياتنا:لون صباغة الشعر، الملابس التي نرتديها، النزهات التي نقوم بها، الأشخاص الذين نتحدث إليهم، أوقات الطعام والراحة».

وتتوفر بعض بيوت البغاء الرسمية الموجودة في " نيفادا " و"نيو ميكسيكو"، على ساحات محاطة بالأسلاك الشائكة والكلاب والمراقبين، مما يجعل هذه البيوت أشبه بسجن تعيش فيه المومسات في حالة اعتقال أو استعباد. أما في مدينة "هامبورغ " بألمانيا، فإن مداخل بعض الأحياء التي توجد فيها بيوت البغاء، مغلقة ببعض المسالك المتعرجة. وفي إسطامبول، يخضع مدخل المجمعات «البغائية» للمراقبة . وفي "كالكوتا" تمارس بعض المومسات عملهن خلف القضبان. أما في التايلاند، فإن الأطفال يخرجون من الأقفاص لإشباع غريزة سياح الجنس.

إن الحديث عن التصنيع، هو حديث عن إنتاج البضائع وليس ترويجها في السوق فقط. لذلك ليس من المصادفة أن يكون وسطاء الدعارة هم الذين يهيمنون على عالم البغاء، حتى في البلدان التي يعتبر فيها البغاء قانونيا. ومن حيث كونهن بضائع، فإن المومسات لا يتمتعن بحريتهن:فهن مملوكات للوسيط والزبون. والكثير من الدراسات تؤكد هذه الحقيقة:ما بين %85 و%90 منهن تخضعن لوسيط من وسطاء الدعارة.

إن الاختطاف والاغتصاب والرعب والتصفية والقتل، كل ذلك يمثل مسببات أو عناصر تساهم في استمرار هذه الصناعة. وهذه العناصر ضرورية ليس فقط من أجل تطور أسواق الدعارة، بل أيضا من أجل «إنتاج» هذه البضائع الإنسانية. وذلك لأن هذه العناصر تساهم في جعل المومسات «وظيفيات»أي قابلات للتشغيل. لأن هذه االصناعة تتطلب توفرا دائما للأجساد. وقد أكدت دراسة حول بغايا الشارع في إنجلترا، أن 87% من المومسات تعرضن للعنف خلال الأشهر الإثني عشرة الأخيرة، و%43 منهن تعانين من آثار ناتجة عن اعتداءات جسدية خطيرة. وبينت دراسة أمريكية في "مينيابوليس" أن%78 من المومسات كن ضحايا اغتصاب من لدن الوسطاء والزبناء، بمعدل تسع وأربعين مرة في السنة، و49% منهن كن ضحايا اختطاف وتعرضن للتهجير من ولاية لأخرى، و %27 منهن تعرضن للتشويه. ويقدر "هانتر" أن المومسات في "بورتلاند"، في ولاية "أوريغون"، تعرضن للاغتصاب بمعدل مرة في كل أسبوع. أما "وايسبيرغ " فيؤكد أن غالبية المومسات الصغيرات السن تعرضن للاغتصاب والضرب على يد «رؤسائهن» وزبنائهن. وبينت دراسة أجريت في "شيكاغو" أن 21، 4% من النساء اللاتي تمارسن أنشطة "الفتيات المرافقات" escort girls أو الرقص الخليع، تعرضن للاغتصاب أكثر من عشر مرات  (بولي 2002 ). وحسب "فيليس تشيسلر"، فإن 75% من "الفتيات المرافقات" سبق لهن أن أقدمن على محاولة انتحار. والنساء المومسات تقع في أوساطهن %15 من عمليات الانتحار التي توردها تقارير المستشفيات الأمريكية. وحسب "بالدوين" (1992 )، فإن النساء والفتيات اللاتي يتم تشغيلهن في البغاء في كندا، تتعرضن لنسبة وفاة تفوق بأربعين مرة المعدل الوطني.

إن سلوك الوسطاء شبيه بسلوك الأزواج الذين يضربون زوجاتهم. فهم لا يكتفون باستعمال العنف الجسدي، بل يبادرون لفعل أي شيء من أجل عزل ضحاياهم اجتماعيا، بهدف «قطع جذورهن الاجتماعية» كليا. إنهم يستسخفونهن، ويهددونهن ويضايقونهن ويرعبونهن نفسيا، وينهكونهن وجدانيا وجنسيا. وهم يمارسون عليهن سلوك المالك ويلجأون للعنف الجسدي بهدف إخضاع «نسائهن» إخضاعا كليا. إن الوسطاء يقومون مرات عديدة بنقل المومسات من مكان إلى آخر داخل مختلف قطاعات الصناعة الجنسية:من حانات الرقص الخليع إلى وكالات كراء فتيات الرفقة، مرورا بصالونات التدليك وبيوت البغاء والرصيف. وهم يجبرونهن على تغيير المدينة بشكل مستمر. وهدف هذا التنقل الدائم، هو عزل المومسات وإبقاؤهن بدون ارتباط وجعلهن مطيعات وتابعات للوسيط.

والواقع أن النساء والأطفال الذين يخضعون للتهريب من أجل غايات جنسية، وكذلك الغالبية العظمى من المومسات، يُسَلَّمُونَ رغما عنهم إلى السوق. وتقول مسؤولة بلغارية عن مأوى لإعادة الإدماج:«في ظرف عشرين يوما، يمكن تكسير مقاومة أي امرأة وتحويلها إلى مومس». إن استعباد هؤلاء المومسات من طرف المهربين ومن طرف مالكيهن، وتحولهن بالتالي في ما يشبه المسخ إلى بضائع، وإلغاء شخصيتهن ثم استهلاكهن، كل ذلك يتطلب اغتصاب إنسانيتهن. ومن أجل أن يتحقق التبادل، ومن أجل أن تكون البضاعة قابلة للبيع والشراء مقابل المال وهو ما يمثل هدف كل هذه العمليات لا بد من خضوع هذه الكائنات الإنسانية –التي تحولت إلى بضائع إلى « قوانين السوق». وهذا الخضوع يتحقق من خلال مجموعة من المنظمات التي تهيئ سلسلة الصفقات وتضمن حسن سيرها. والواقع أن هذه السلسلة بالإمكان أن تتعرض للكسر لولا وجود متواطئين في كل مستويات المجتمع، بدءا بالمستهلكين وصولا إلى تغاضي السلطات السياسية، ومرورا بتواطؤ أوساط الأعمال.

وعلى شاكلة كل بضاعة في مجتمع قائم على الاستهلاك الجامح، سرعان ما تفقد المومس قيمتها الاستهلاكية، فتدعو الحاجة إلى تغييرها بمن هي أفضل منها.

إنتاج البضائع
يرى العديد من الدارسين أن الفقر هو الشرط القبلي، إن لم نقل المحرك الأساسي لولوج عالم البغاء. ووفق وثيقة صادرة عن المفوضية الأوربية  (2001 )، تعاني النساء من وضعية ضعف كبير، وذلك بسبب الطابع النسائي للفقر، والتمييز الجنسي بينهن وبين الذكور وغياب الفرص التعليمية والمهنية في بلدانهن الأصلية. ويرى البعض أن التفسير الوحيد لممارسة البغاء، لا يكمن سوى في الإكراه الاقتصادي، وبالضبط في الوضع الاجتماعي الهش وغياب وسائل لحياة بديلة. ووفق "ليليان ماثيو"، فإن «البغاء يمثل [. . . ] واحدا من السبل النادرة لوصول المومسات إلى مستوى اجتماعي يختلف عن ذلك الذي كان بالإمكان أن يقبعن فيه لو اكتفين بالاعتماد على منشئهن الاجتماعي المتواضع وضعف كفاءتهن». والأدلة التي يقدمها "ماثيو" لتأكيد هذا القول، تستند إلى بحثين ميدانيين يفيدان أن النساء المستقطبات من أجل ممارسة البغاء، هن نساء الطبقة العمالية ونساء طبقة اللومبون بروليتاريا lumpenprolétariat أو الأشخاص الذين ينتمون لأوساط اجتماعية فقيرة، ومهمشة أحيانا . وعلى هذا الأساس، يؤكد "ماثيو"، أن الأسباب الاقتصادية هي وحدها القادرة على تفسير ظاهرة البغاء، ويستبعد في المقابل الأسباب الأخرى، مثل تلك التي تعتبر المومسات كنساء«عاجزات عن التكيف ومجرد ضحايا لصدمات نفسية».

والواقع أن لا أحد بإمكانه أن ينكر أن البؤس الاقتصادي هو السماد العضوي الخصب الذي تنمو فيه صناعة الدعارة. فالبغاء الذي يستفحل في دول العالم الثالث، ودول أوربا الشرقية، ودول الاتحاد السوفياتي السابق والبلقان، هو أحد نتائج الكارثة الاجتماعية والدمار الاقتصادي الناتجين عن سياسات التقويم الهيكلي وعمليات الخوصصة، والناتجين باختصار عن العولمة وما أحدثته من تزايد التفاوتات الاجتماعية داخل البلدان وبين البلدان بعضها البعض، بالإضافة إلى التعميق الخطير لدرجات الفقر. إن هذا البغاء الذي لا يكف عن تغيير شكله والذي يستغل نساء وأطفال العالم الثالث والبلدان «الاشتراكية» سابقا، التي تحولت إلى « قطيع» للبؤس العالمي يخضع لتنظيم محكم على يد عصابات إجرامية:النساء والأطفال يخدعون ، يختطفون، يباعون من لدن أسرهم، يسلبون ويتعرضون للتعنيف والاستغلال. لكن هذه ليست بالضرورة حالة المومسات الغربيات  (أوربا الغربية وأمريكا الشمالية ). لأن النساء اللاتي تمارسن البغاء في الغرب، لا تقمن بذلك في نفس تلك الظروف. فهن لسن محرومات من أوراق الإقامة. وهن لا تعشن بالضرورة نفس الوضع الاقتصادي الهش. وبالنسبة لبعض هؤلاء النساء، يمثل البغاء «حلا مؤقتا أو دائما لما يعانينه من صعوبات مالية». والواقع أن هذا البغاء المعيشي، يمثل بالنسبة للعديد من هؤلاء العرضيات، نتيجة مترتبة عن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية الصعبة. لكن هذا لا يفسر لماذا يلجأ بعض الأشخاص لممارسة الدعارة، بينما يرفض البعض الآخر ذلك. إن المال على ما يبدو هو محرك كل شيء، إلا أنه لا يقدم رغم ذلك تفسيرا مقنعا. إذ توجد أسباب أخرى تفسر الدخول إلى عالم الدعارة، إذ ليس كل امرأة أو رجل يقبلان «طواعية» ممارسة هذه «المهنة»، ويرضيان لنفسيهما العيش في عالمها المختلف عن عالم الناس، يفعلان ذلك جريا وراء المال رغم أنه يمثل عامل إغراء كبير أو رغبة في الإفلات من إسار الأوضاع الاجتماعية البئيسة. فإذا كانت هناك أسباب معيشية خلف ممارسة البغاء، فهناك أيضا حتمية اجتماعية وسيكولوجية تدفع بعض الناس إلى ولوج عالم الدعارة. ويرفض العديد من الباحثين التمييز بين الدعارة الطوعية والدعارة الإجبارية، لأنهم مقتنعون بأن الأجدى هو محاولة فهم الشروط الاجتماعية والسيكولوجية التي تدفع بعض الناس لممارسة البغاء. ويؤكدون أن الدخول إلى عالم الدعارة، هو نتيجة عوامل متعددة وأسباب اقتصادية وشخصية واجتماعية وسيكولوجية متداخلة. ومعنى هذا أن إنتاج هذه البضاعة الخاصة، مرتبط بتاريخ سابق، تاريخ ارتدادي. ووطأة هذا التاريخ هي التي تدفع شخصا ما إلى الإقدام على ممارسة البغاء، وبيع جسده.

والواقع أن العديد من الدراسات تذهب في هذا الاتجاه:فممارسو الدعارة من الإناث والذكور، يرزحون تحت وطأة ماض مؤلم وتاريخ من الاستغلال الجنسي طويل الأمد. فما بين 60% و90% من الأشخاص الذين يمارسون البغاء، سبق لهم أن تعرضوا للاستغلال الجنسي أثناء طفولتهم. وتؤكد "جوديث ترانكار" أنه في فرنسا تم «إحصاء ما بين 80% و%95من سوابق عمليات الاغتصاب الجنسي لدى الأشخاص الذين يمارسون الدعارة والذين ينتمون لأصول فرنسية». أما في البرازيل، فإن "جلبيرطو ديمونستاين" –الذي استجوب 53 من الفتيات الصغيرات والمراهقات «اللاتي ولجن عالم الدعارة من تلقاء أنفسهن» يؤكد أن 95% منهن تنتمين لأسر مفككة. وهذه العوامل هي السبب في هروب المراهقين الذين يجدون في محطات القطار والحافلات في المدن الكبرى، من ينتظر اصطيادهم والإيقاع بهم في براثن الدعارة. ووفق «مجلس بدائل الدعارة» الذي يوجد في بورتلاند، 85% من 123 من المستجوبين الذين سبق لهم أن مارسوا الدعارة، عانوا من استغلال جنسي من محارم، و90 %منهم عانوا من استغلال جسدي و98% منهم عانوا من استغلال عاطفي. وحسب «ويدوم» و«آم»، فإن الطفل الذي تعرض لاستغلال جنسي، من المحتمل أن يمارس البغاء في كبره أكثر من الطفل الذي تعرض لاستغلال جسدي. فضحايا الصدمات الجنسية التي وقعت لهم في الطفولة، يتعرضون لمخاطر اضطرابات كبيرة:فهم يطورون في الغالب أفكار وسلوكيات التدمير الذاتي، واحتقار الذات، والإحساس بالخجل، والاضطرابات الغذائية، والإدمان على تعاطي المخدرات، الخ.

والواقع أن حالة الانفصام العاطفي، تمثل بدون شك عنصرا ضروريا لتحمل ثقل الاغتصاب وذكرى التعرض للاستغلال الجنسي من المحارم والاعتداءات الجنسية في الطفولة. إن هذا الانفصام هو الصيرورة السيكولوجية التي تتيح كبت الحوادث المؤلمة في غياهب الوعي. والواقع أن حالات الإجهاد الحاصل بعد الصدمات، تعتبر بمثابة ردود فعل عاطفية حادة وطويلة الأمد. وهي تظهر عقب حادث مؤلم خارج عن المألوف. والشخص المعني بهذا الحادث، يستعيد بانتظام هذه الوضعية المؤلمة الأصلية، سواء في حالة اليقظة أو خلال كوابيس المنام. ويحاول تجنب كل ما من شأنه أن يذكره بهذا الحادث المؤلم. أما حيويته العامة، فغالبا ما تكون فاترة:فهذا الشخص يكون كئيبا وغير مبال بمستقبله. ويتميز بحساسية سيكولوجية مفرطة ومثيرة  (السهاد، التأثر الزائد وصعوبات التركيز ). إن حالة الإجهاد الحاصلة بعد الصدمات، تتولد من الإجهاد الشديد لدى أسرى الحرب الذين تعرضوا للتعذيب، ولدى الأطفال الذين تعرضوا للاعتداء الجنسي ولدى النساء المعنفات أو المغتصبات. . . ولدى من يمارسون البغاء. فالكآبة وكذلك حالات الإجهاد الحاصل بعد الصدمات، تعتبر أعراضا مشتركة بين من يتعاطون للدعارة. لذلك إذن ليس من المصادفة أن تكون نسبة الانتحار ومحاولات الانتحار في أوساط المومسات في الولايات المتحدة وفرنسا، هي من أعلى النسب في المجتمع.

وعلى هذا الأساس، هل ما زال بالإمكان الادعاء بوجود بغاء «اختياري»، خاصة حين نعلم أن متوسط العمر لولوج عالم البغاء في الولايات المتحدة، هو أربع عشرة سنة؟وإذا كان هناك من يرفض اعتبار المومس ضحية، بل كائنا مستقلا قادرا على تحمل مسؤولية اختياراته، فكيف يمكن فهم وتفسير هذا السن المبكر لولوج عالم البغاء؟إن معنى هذا أن المومسات لسن مجردات من إرادتهن أمام وسيط الدعارة والزبون، لكن العلاقات الاجتماعية القائمة على الهيمنة الذكورية والقيم الاستهلاكية، هي التي تنظم ممارسة البغاء لصالح نظام بغائي متشعب ومعولم تنحو أنشطته تدريجيا، لتصبح عادية ومألوفة.

الارتشاء المنتصر

إننا نشهد منذ ثلاثين عاما، عملية إضفاء طابع جنسي على المجتمع. وهذه الجنسنة sexualisation قائمة على التفاوت الاجتماعي، مما يجعل هذا التفاوت مربحا جدا. إن المجتمع اليوم مشبع بالجنس، وسوق الجنس المزدهر والمعولم، يستغل النساء والأطفال في المقام الأول، وخاصة نساء وأطفال العالم الثالث والبلدان «الاشتراكية» السابقة. إنه زمن السلعنة المعممة، والارتشاء المنتصر.

والواقع أن الإنسانية اليوم شاهدة على تصنيع البغاء، ونخاسة النساء والأطفال، والأفلام الجنسية الخليعة والسياحة الجنسية. والقطاعات المختلفة للصناعة الجنسية تعيش حالة انتعاش:فهي تخضع للتنظيم والتسيير من لدن شبكات من الوسطاء والمافيات، بتواطؤ مع السلطات المالية والسياسية القائمة. والخاصية المميزة للنظام البغائي، هي بالضبط عدم الخضوع لأي حد أو منع. فبعض شركات الجنس متعددة الجنسيات، أصبحت قوى اقتصادية مستقلة مُسَعَّرَة في البورصة. لا توجد دعارة بدون توفر سوق، وبدون سلعنة الكائنات البشرية. وفي%85 إلى 90% من حالات الدعارة المحلية في البلدان الغربية، فإن المومس تعتبر سلعة يملكها الوسيط بوسائل العنف و/أو الذكاء. وحالما يملكها، يلجأ إلى استعمال الإكراه الجسدي والسيكولوجي والجنسي لكي تصبح المومس جاهزة للعمل، أي لتصبح في مقام الشراء يوما بعد يوم من لدن الزبائن، الذين يصبحون بدورهم مالكينلفترة من الوقت لهذه البضاعة. وكما هو الشأن بالنسبة لكل سوق، فإن البضائع تنتج وتسوق على أساس قدرات الشراء والأداء لدى الزبائن:انطلاقا من مومسات الشارع وصولا إلى مومسات الهاتف الباذخات، كل ألوان الطيف يوفرها سوق الدعارة. لكن من أجل أن تصبح المومس بضاعة، من صنف مبتذل أو رفيع، لابد أن تسلب منها إنسانيتها وأن تتحول إلى شيء. ومن هنا يمكن عرضها في الواجهات، وعلى الأرصفة وفي أوكار قميئة للدعارة، وفي أسواق الجنس الممتازة، وذلك لأن من حق الزبائن تفحص البضاعة قبل شرائها. إن آلة البغاء لا تشتغل لصالح المومسات، بل لصالح مالكيهن، أي الوسطاء والزبناء.

ومن المؤسف أن صناعة ترويج البغاء تعتبر بشكل متزايد، بمثابة صناعة ترفيهية، والدعارة تعتبر بمثابة عمل شرعي. ويترافق تصنيع الدعارة بتوجه ليبرالي، والد ليل على ذلك أن ألمانيا وهولندا، قامتا منذ بداية هذا القرن، بإضفاء المشروعية القانونية على ممارسة البغاء. وخلال التسعينيات ورغم تنديدها بالآثار المدمرة لعولمة أسواق الجنس قامت المنظمات الدولية بتبني مواقف تتوجه نحو تحرير سوق الدعارة والأسواق الجنسية. ومعنى هذا أن ما تدافع عنه منظمة التجارة الدولية لصالح العولمة النيوليبرالية، يحظي بتأييد مختلف الهيئات الأوروبية والدولية، بما فيها منظمة الأمم المتحدة، في مجال الاتجار بالنساء لأهداف جنسية. والواقع أن إضفاء الطابع الرسمي المؤسساتي  (أي شرعنة ) أسواق الجنس، يقوي أنشطة منظمات الوساطة البغائية والجريمة المنظمة.

إن «صناعة الترفيه» هذه، تقوم على الانتهاك المنظم لحقوق الإنسان. فالتصنيع الحالي للدعارة، الذي يسعى لتحقيق كل شيء باستثناء سعادة الكائنات البشرية، يدمر بشكل مكثف كثيرا من النساء والأطفال. ويعاملهم كحيوانات لتحقيق اللذة وكآلات للربح وينظمهم بطريقة تجعل مردوديتهم الجنسية تصل إلى حدها الأقصى. وهذه التجارة تجند عددا كبيرا من السكان وتدر أرباحا باذخة يعاد توظيفها في الاقتصاد العالمي. وليس من قبيل المصادفة أن تمس هذه التجارة النساء والأطفال بالخصوص. والواقع أن التفسير «الاقتصادي» يقلل من أهمية حقيقة أن هذه الصناعة تشتغل لصالح رجال ونظام من الهيمنة الذكورية. إن كل ما يتعلق بما ينتجه المجتمع من تمييز، يخضع تحت تأثير هذه الصناعة إلى التضخم. والنساء والأطفال هم الفئات المستهدفة. والأشخاص الذين يلجون عالم الدعارة، يأتون من الطبقات الاجتماعية المحرومة، ذات الدخل الضعيف والمحدود، ومن الأقليات العرقية، وجماعات السكان الأصليين ومن اللاجئين والمهاجرين السريين ومن دول العالم الثالث ومن الدول التي تتعرض بنياتها للاهتزاز بسبب الانتقال الكارثي إلى اقتصاد السوق. وهؤلاء المستقطبون لممارسة البغاء، هم أيضا أشخاص ذوو مستوى تعليمي متواضع جدا، أو فتيات هاربات أو أفراد تعرضوا للاستغلال الجسدي أو السيكولوجي أو الجنسي في طفولتهم. وهم غالبا ما يستقطبون في سن مبكر. وبما أن النزعة الجنسية تترافق مع قيم السوق في الصناعة العالمية لتجارة الجنس، فإن كل امرأة أو طفل، يعتبران فريسة محتملة. إن وضع المرأة أو وضع الطفل15من حيث هما كذلك، هو بالضبط ما يجعل الاتجار فيهما مربحا، وليس بسب ضعف مستواهما الاقتصادي، رغم أن هذا العامل يظل أحد دوافع الارتماء في أحضان الدعارة. وينبغي التأكيد رغم ذلك أنه من أجل تحويل إنسان إلى بضاعة، أي إلى شخص مستعد لتقبل وعيش حالة استلاب تحقيري ومستمر، لا بد من خلق الظروف الضرورية لجعله يشتغل كجسد ليس في ملك صاحبه، ولا بد من استعمال الوسائل التي تؤدي إلى إنتاجه ليكون بضاعة للتبادل والاستهلاك.

1 بعض الكتاب يذهبون إلى أبعد من ذلك في هذا الاتجاه ويفسرون أن « هجرة العاملات في مجال الجنس  (سواء كانت هؤلاء النساء هن المبادرات إلى التنقل من أجل العمل في صناعة الجنس. أو خاضعات للاستقطاب أو التهريب أو مجبرات على ذلك ). تمثل نوعا من المبادرة المقاولاتية ».

2 في كتابه  (الراتب. الثمن والربح ) يذكر "كارل ماركس" أن :« العرض والطلب لا ينظمان شيئا آخر غير "التقلبات" الظرفية لأسعار السوق. فهما يفسران لك لماذا يرتفع أو ينخفض ثمن السوق بالنسبة لبضاعة معينة. بالمقارنة مع "قيمتها". لكنهما لا يستطيعان أبدا تفسير هذه "القيمة" نفسها. »

3 رغم أن هذا المقال يتحدث عن قضية السلعنة. إلا أن هذا لا يمنع من القول إنها تبقى من الزاوية الأخلاقية. غير مقبولة. .

 

 

 

 

سكينة عشوبة طالبة وباحثة



1386

0






 

 

 

 

 

 

 

 
هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق
  * كود التحقق



كلام عابر

الفيزازي: الملك أول ثائر على الظلم والفساد

كرونيك 20 كانيبال

السلفية موقف مرتبك من الديمقراطية

وآآآ بنكيران

العدل والإحسان تفشل في تطهير الشوارع بالدماء

مشروع الدستور الجديد التحول الديمقراطي الكبير للمغرب

عميل للوطن

عن حكاية ندية ياسين

قراءة في · كتاب " الملكية المغربية والفاعلين الدينين" ·لمحمد ضريف

التمركز الاكاديمي الغربي/الصهيوني والحريق العربي.

تدوينة جواد بنعيسي: خاطئ من يريد استغباء المغاربة

العلمانية والعبودية الحديثة سوق النخاسة بإسم الحرية الفردية





 
القائمة الرئيسية
 

» الرئيسية

 
 

»  الجديد بالموقع

 
 

»  صحافة و صحافيون

 
 

»  الحياة الاجتماعيةوالسياسية بالمغرب

 
 

»  كتاب الرأي

 
 

»  أركان خاصة

 
 

»  كتب و قراءات

 
 

»  حول العالم

 
 

»  موجات و أحداث

 
 

»  صوت وصورة

 
 

»  الحياة الفنية و الأدبية والعلمية

 
 

»  دبلوماسية

 
 

»  كاريكاتير و صورة

 
 

»  أحزاب نقابات وجمعيات

 
 

»  جولة حول بعض الصحف الوطنية و العالمية

 
 

»  دين و دنيا

 
 

»  صحة، تربية و علم النفس

 
 

»  ترفيه

 
 

»  أعلام مغربية

 
 

»  ثقافات ...

 
 

»  اخبار عامة

 
 

»  ذاكرة

 
 

»  القسم الرياضي

 
 

»  الطبخ المغربي

 
 

»  الموارد النباتية بالمغرب

 
 

»  منوعات

 
 

»  مختارات

 
 

»  تكنولوجيا علوم واكتشافات

 
 

»  عدالة ومحاكم

 
 

»  تاريخ فلسفة وعلوم

 
 

»  

 
 
كتاب الرأي

مفهوم الديمقراطية وأنواعها


رسالة مفتوحة إلى عمر بلمير حمایة الأوطان واجب كل إنسان


خالد الشرقاوي السموني: اتفاق الصخيرات ... الخيار الأفضل لحل الأزمة الليبية


ماذا تعرف عن عبودية القرن الواحد والعشرين الحديثة


في تحديات وإكراهات سياسة الجهوية المتقدمة بالمغرب

 
صحافة و صحافيون

الشرعي يكتب: الهوية المتعددة..


كيف نشكّل حكوماتِنا وننتقي وزراءَنا ونطوّر دولتَنا؟


منظمة تكتب رواية مائة عام من العزلة... ترهات جديدة على هامش قضية "أبو حجرين"


باحث يكذّب (ابن بطّوطة) بخصوص زيارته لبلاد (الصّين)


الكلاب تعرف بعضها... مدير موقع "هسبريس" يتكلبن في الإمارات


ملحوظات_لغزيوي: متفرقات من منطقة متفرقة!


استراتيجية الحرب الإعلامية لـ"التخريبيين" بالحسيمة٠٠ ترهيب الشرفاء بتعليقات هجومية، وصور


ملحوظات_لغزيوي: الحسيمة…والآن مجددا؟؟؟


اشتروا من شئتم يا أعداء المغرب، فالجبل لاتحركه نطحات التيوس


ملحوظات_لغزيوي: الدرس المغربي والمؤذنون في مالطا!


جدل لغـة التدريس ..

 
تاريخ فلسفة وعلوم

ارتباط مفهوم الصحة بميشيل فوكو

 
الجديد بالموقع

أي شيء مُهْـتَرِئٍ و"بَالِي" أكثر من عصابتين في الجزائر :عصابة المرادية وعصابة الرابوني


مِنَ الظُّلم لتاريخ الجزائر الحديث اعتبارُ الذين اغْتَصًبُوا السُّلطة فيها ( نِظَاماً ) فَهُمْ مُجَر


حقائق حول قضية الصحراء المغربية تصيب حكام الجزائر والبوليساريو بالجنون


السعودية وسياسة نقيق الضفادع المزعج


أندية المعارضة


ملف الصحراء وما يحمله من تهديد خطير للأمن القومي المغربي


(ع.ن) مرحاض متنقل في خدمة الجماعة


تأملات في ظلال الطواحين الحمراء


معالم في طريق البناء: من "نظرية الحاكمية" إلى "الخمار والبيكيني"


بين الأب عبد السلام ياسين والأم تريزا


جريمة امليل: المنهج الإخواني في إدارة التوحش وبسط النفوذ


الشمهروشيون والشمهروشيات.. بعضهم أولياء بعض


نصف دستة من الديمقراطيين في ضيافة الإسلاميين.. ومنيب بين أنياب الخميني!


كائنات انتهازية حاولت الركوب على قضية بوعشرين


مافيا الكوكايين الحاكمة في الجزائر تضع تطبيع العلاقة مع المغرب مقابل تسليمهم الصحراء المغربية


جون بولتون الأمريكي هو"سوبرمان" الشبح الذي يتعلق به البوليساريو ليطرد لهم المغرب من الصحراء


الجزائر تشتري منتوجات من الخارج وتبيعها للأفارقة بالخسارة حتى يقال بأنها تغزو إفريقيا كالمغرب


هل يحلم حكام الجزائر والبوليساريو أن يقدم لهم المغرب صحراءه المغربية على طبق من ذهب ؟


لماذا أغلقت مفوضية الاتحاد الأوروبي الباب في وجه البوليساريو أثناء مفاوضاته مع المغرب؟


المعطي و”التشيار” الأكاديمي بالأرقام الغرائبية !!


مسيرة الرباط بين جارية اليسار النبيلة و فتوى الحاكم بِأَمْر اللاَّت !

 
الأكثر مشاهدة

التهاب السحايا أو المينانجيت.. الوقاية لتجنب الوفاة أوالإعاقة


فضيحة جنسية جديدة تهز جماعة العدل والإحسان


أقوال مأثورة.


غلام زْوَايْزُو العدل والإحسان رشيد الموتشو في بوح حقيقي


خبر عاجل: العدل والإحسان تصدر بيان مقاطعة الدستور ومقاطعة الزنا حتا هوا وحتا هيا


"العدل والإحسان "هاذي كذبة باينة


عبدة الفرج المقدس ودقَايقية العهود القديمة: كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون


طلاق نادية ياسين:حقيقة أم إشاعة أم رجم بالغيب


هؤلاء أعداؤك يا وطني :وانتظر من أركانة المزيد إن شاء الله وليس المخزن كما سيدعون


هوانم دار الخلافة في نفق أُكِلْتُ يَوْمَ أُكِلَ الثَّوْرُ الأَبْيَضُ


صحافة الرداءة تطلق كلابها على العدل والإحسان


لن ترض عنك أمريكا حتى تتبع ملتها،وشوف تشوف


قيادة العدل والإحسان بين تجديد الوضوء وتجديد الخط السياسي


إذا اختلى عدلاوي بعدلاوية متزوجة بغيره فثالثهما المخابرات!!!


كلام للوطن


فضائح أخلاقية تهز عرش الخلافة الحالمة على مشارف سلا أو السويسي


هشام و حواريوه،مقابل ولدات المغرب الاحرار


في فقه الروكي وسلوك الحلاّج - 1-

 
 

*جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية

 شركة وصلة